عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
208
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قبور الصالحين ، وأخذ الورد عندها ، وكثيرا ما كان يحيي الليل صلاة بمقبرة البلوية وكان يسمى بالقيرواني « العابد » ، وهو الذي عمّر مسجد الأنصار بعد خرابه ، وكان يؤم به أخبرني أبو زيد عبد الرحمن بن ثابت الصقلي ، عن أبي سعيد ابن أبي شيخ قال : كنا نجلس بمسجد الأنصار مع الشيخ أبي الحجاج ، فربما دخلنا نتحدث بأمور الدنيا ونحن نتوهم أنه لا يستمع إلينا وهو مشغول بالذكر ، فلما تفرقنا وقام من كان في المسجد قال لي : يا أبا سعيد لا تعطل أوقاتك في الفراغ أتدري كم قرأت منذ تحدثت كذا وكذا ، ألف قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : 1 ] قلت له : رأيتك كأنك تنظر إلينا وتشير برأسك فقال متمثلا : وشغلت عن فهم الحديث سوى * ما كان منك فأنتم شغلي وأديم نحو محدثي نظري * إن قد فهمت وعندكم عقلي وأخبرني الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن ثابت الصقلي ، عن الشيخ أبي علي دهمان بن موسى الزبيدي قال : كنت أصلي على الجنائز مع أبي الحجاج في البرج الكبير الذي قرب باب تونس المحدث ، فكنت معه يوما فيه فنظرت إليه ، فإذا به قد تغير لونه ، وكان من عادته إذا ورد عليه وارد يتغير وجهه . قال : ثم خرج فأبطأ فخرجت أطلبه فوجدته قائما في الهواء وهو يخاطب رجلا - فأما أبو الحجاج فرأيته كلّه ، وأما الذي معه فلم أر منه إلا شبحه وظلّه في الحائط ، فلما جاء الشيخ أخبرته بما رأيت فقال لي : ذلك الذي أراد اللّه أن ترى منه . وأخبرني أبو زيد عن أبي علي دهمان ، قال : أتيت إلى دار الشيخ أبي الحجاج في يوم جمعة فلم أجده ، فتكررت إليه مرّات كل ذلك لا أجده ، فلما كان قرب الصلاة أتيت إلى الجامع فقصدت مكانه الذي عادته يصلي فيه الجمعة فلم أجده فيه ، فلما أقيمت الصلاة إذا به إلى الجانبي ، فصليت الجمعة ، فلما انقضت الصلاة سألته باللّه وألححت عليه في القسم ليخبرني أين كان ؟ فقال : كان بعض إخواني بزغوان حضرته الوفاة اليوم ، فسرت إليه حتى شهدت موته ودفنه ، وجئت من فوري ، فلما بلغت جنازته سمعت إقامة الصلاة ، فبادرت ، وبين جنازته والقيروان أميال . وأخبرني أيضا عن أبي علي دهمان ، قال : كان عند الشيخ أبي الحجاج ضيف فدعوتهما إلى منزلي وقدمت لهما طعاما فيه زيت ، فأكلا الطّعام ولم يلذما بالزيت ، فبقيت متفكّرا في ذلك ، وكنت لا أشتري الزيت إلا ممن أثق به ، فلما كان من الغد